ابن عربي
110
محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
معانيه وبان لهم المراد . فدامت فكرتهم فيه فمنعهم السهاد ، وما عرّجوا على أهل ولا أولاد . ولم يشركوا بعبادة ربهم أحدا . هو الضياء بمشكاة قلب العارف عنه ينطق وبه يكاشف ، ولم يلتفت إلى ما سواه ، ولم يدّخر سوى مولاه ، وهو حياته ونشوره ، وبه أشرقت شمسه ونوره ، يمدّه بدقائق المعاني ، فيميز بين الباقي منه والفاني ، فيعبر عنه بمعاني روحانية ، تقصر عن إدراكها الصفات البشرية ، ويعيها من هو بالتوحيد حي ذو عيان 7 ويعجز عنها من رضي بنعيم الجنان . فالعارف لذّته ذكره مولاه ، وهو كليته ، والظاهر بعبادته ، ومفصحه بالعلم ، وهاديه لبيانه ، أمدّ سره من سره ، فأنطق لسانه بالحكمة ، فجذب الخلق إليه ، وهدى به الأمة ، فكشف له الغطاء عن أسرار التوحيد ، وتجلى لقلبه من هو أقرب إليه من حبل الوريد . فتألفت متفرقاته ، ففني عن رسومه ، وكاشفه به ، وشرفه بعلومه ، فاهتزت أرضه ، ونبع ماؤه ، فوسعه قلبه ، وما وسعته أرضه ، ولا سماؤه . هكذا جاء في الخبر ، عن سيد البشر ، هو مأوى العارف ، وهو الأمل . وقد صحّت له محبته في الأزل ، فألبسه التقوى ، وزيّنه بالتجريد ، وأقامه للعيان ، وأفناه في التوحيد . سقاه شرابا رويّا ، وغذّاه بلبان اللب ، واتصل بالمحل الخالص من اللقاء والقرب . ومن باب من يتوكل على اللّه فهو حسبه ما أخبرنا به أحمد بن عبد الوهاب بن علي بن عبيد اللّه ببغداد ، قال : أخبرني والدي ، قال : انا الخطيب أبو محمد عبد اللّه بن محمد بن عبد اللّه الصريفيني ، أنا أبو القاسم عبد اللّه بن محمد بن إسحاق بن سليمان بن حبابة . أخبرنا أبو القاسم عبد اللّه بن محمد بن عبد العزيز البغوي ، قال : حدثنا علي بن الجعد ، ثنا شعبة ، عن أبي حمزة ، قال : سمعت هلال بن حصن قال : أتيت المدينة فنزلت دار أبي سعيد الخدري فضمّني وإياه المجلس ، فحدّث أنه أصبح ذات يوم وليس عندهم طعام ، وأصبح وقد عصب على بطنه حجرا من الجوع ، فقالت لي امرأتي : ائت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فقد أتاه فلان فأعطاه ، وفلان فأعطاه . قال : فأتيته فقلت : ألتمس شيئا فأطلب ، فانتهيت إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم وهو يخطب ويقول : « من يستعفف يعفه اللّه ، ومن يستغن يغنه اللّه ، ومن سألنا شيئا أعطيناه وواسيناه ، ومعن استعفّ عنا واستغنى فهو أحبّ إلينا ممن سألنا » . قال : فرجعت وما سألته ، فرزقني اللّه تعالى حتى ما أعلم أهل بيت من الأنصار أكثر أموالا منا .